
من واقع كوني فنانا، أعرف أن تربيتي والعوامل التي أثرت فيّ والأشياء التي أتعرض لها، كلها تلعب دورًا في الصورة التي تظهر بها شخصياتي. فحتى لو كانت الشخصية هي عجوز يابانية في السبعين من عمرها، فقدت إحدي عينيها، وتعمل خبَّازة في جزيرة مهجورة على ساحل “زنزيبار”، فسيجد جزء مني طريقه إلى تصميم الشخصية، ليس فقط في الآثار المعنوية المجردة، ولكن حتى في الخصائص الجسدية الواضحة أيضًا. ربما ظهر ذلك في صورة بسيطة، كطريقة ابتسامتها أو شكل أذنيها أو الطريقة التي تبدو بها أصابعها وكأنها ترتعش، لكني في كل الأحوال لن أستطيع أن أمنع شيئا ما يخصني من أن يجد طريقه فيها، فمن المستحيل الوصول للموضوعية والانفصال المجردين.
ويبدو أن "مجدي الشافعي"، الكاتب والرسام المصري صاحب رواية “مترو” المصورة، يوافقني على ذلك بقوله :"لا يمكن للمرء أن يكون محايدًا." لكن بالنسبة له، فهذا ينطبق فقط على الرسائل التي تحملها شخصياته. يضيف: "شئت أم أبيت، ستنعكس وجهات نظرك الخاصة جدًا في العمل الذي تقوم به." لكن عندما يتعلق بكنه شخصياته، فإن "مجدي" لا يدخر جهدًا في تصميمها تبعًا للغرض المطلوب منها، بغض النظر عن أي تأثيرات أو تفضيلات شخصية، في رواية “مترو”، كان من المفترض بـ “شهاب” بطل الرواية أن يكون مهندسًا شابًا، عصريًا وعمليًا ومهندمًا، دون الحاجة لأن يكون محبوبًا، لكنه يسعى وراء قضية يمكن للقراء التعاطف معها والارتباط بها. اسكتشاتي الأولية أعطت لـ "شهاب" أنفًا حادًا وعينين مضطربتين منفرتين، مما جعله بغيضًا بصورة عامة. ورغم أن فكرة الإفراط في إعطاء "شهاب" سمات بطولية لم تكن مطروحة أصلا، حيث إنه يندر أن نجد أحدًا في الواقع بهذا الشكل، إلا أني لم أرغب أن يكرهه الناس. لذلك فقد بدا أن الأكثر ملاءمة هي السمات التي لا تبالغ في إظهار البطولة أو الشر المطلق."


أما "كريم لطفي"، وهو فنان أماكن عامة من قاطني القاهرة، فهو يصر على ألا يظهر التعبير الذاتي في أعماله الفنية: "حقيقةً أنا لا أريد التعبير عن نفسي لأني بالفعل لا أري الهدف من كشف نفسي على العالم. صحيح أن التعبير عن نفسي بالرسم قد يكون مفيدًا كعلاج شخصي أو ما شيء من هذا القبيل، لكن ليس من الضروري أن يكون له علاقة بباقي العالم. أنا أفضل تكوين لوحات ذات صلة حضارية."
وبينما أعاين بعض أعمال "كريم"، أجد لوحتين يبدو أنهما تأتيان من اتجاهين متضادين تمامًا: صبي على كرسي متحرك، و"مارلين مونرو" التي ترتدي الحجاب وهي الأكثر شهرة من بين لوحات "كريم". يقول كريم: "لوحة الصبي والكرسي المتحرك هي علاج شخصي بحت. فعندما كنت صبيًا صغيرًا، لم أكن من ممارسي الرياضة خوفا من أن أصاب، لذلك فقد كنت أقرب للقعيد من الناحية النفسية، دون أن أكون حبيس كرسي متحرك حقيقي. هذا أمر لا أرى أن أحدًا سيهتم به سواي، ولذلك لن أبذل جهدًا في عرضه على العالم. أما على الصعيد الآخر، فقد رسمت لوحة "مارلين" في الواقع لأغراض تجارية بحتة. وأنا نادم على ذلك بشكل ما."
لماذا قد يندم "كريم" على رسمه لوحة بيعت في "جاليري نوسكو" بـ "لندن"، ووجدت طريقها لواحد من عروض الفن الرائجة في "سنغافورة"، جنبًا إلى جنب مع لوحات أصلية لـ "وارهول" و"ليشستنستاين" و "فالي"؟ يقول كريم: "اللوحات مثلها مثل العلاقات، ليس من الضروري أن تكون أكثرها نجاحا هي التي تعني لك أهمية أكبر. أنا لم أشعر بارتباط عاطفي عندما رسمت "مارلين"."
من لوحات "كريم" ذات الصلة الحضارية، والتي كوّن رسمها رابطًا عاطفيًا عنده، هي صورة ضابط الجيش. يقول: "إنها واحدة من اللوحات النادرة التي لم أشعر فيها بأني رجل آلي تقتصر مهمته على المزج والتوفيق بين أشكال بصرية مختلفة. فموضوع اللوحة والخطوط الفنية كانت كلها تخصني تمامًا، لكنها في ذات الوقت لم تكن جزءًا من علاج شخصي، فقد كان لها نوع ما من الصلة الحضارية عند المشاهدين الآخرين. عندما تدخل أي بيت من بيوت القاهرة، فمن شبه المحتم أن تجد صورة على الجدار لأحد أفراد العائلة مرتديًا الزي العسكري. فنحن كحضارة شديدو الفخر بأي صلة عسكرية ونحب أن نتباهى بها. فهنا يكاد الضباط أن يكونوا نجومًا كنجوم التليفزيون. لماذا تختفي عيناه تحت خطوط سوداء كثيفة؟ لأني في البداية رسمت عينين أحسست أنهما معبِّرتين أكثر من اللازم. يقولون إن العين نافذة على الروح، أليس كذلك؟ أنا بصراحة لا أشعر أن ذلك ينطبق على المصريين. فعندما أركب سيارة أجرة، أول ما ألاحظه في السائق هو شاربه ثم فمه. كان يجب عليّ أن أزيل العينين، لذلك فقد خربشت فوقهما، لكن المنظر بدا وكأني أتعمد حذف شيء ما، لذلك فقد كانت الخطوة المنطقية التالية هي أن أرسم نظّارات."

ترك الأمور تسير على هواها بدون تصوّر أو تخطيط مسبق للوحة أو الشخصية هو أمر يشعر "كريم" بالراحة التامة معه. يقول: "أنا ببساطة أحب أن أبدأ بالرسم. ذلك الشخص البدين المنفر الذي رسمته تحت كوبري "المرغني" أخذ شكله من طبقة الطلاء الأبيض الأولية التي غطيت بها الجدار قبل أن أرسم الخطوط العريضة للشخصية. في الحقيقة لم تكن هناك أية عملية تفكير وراء تلك اللوحة."
رسام الكتب المصورة البريطاني "لي أوكونور"، والذي أخرج رسومات تشكيلة متنوعة من الشخصية، بدءًا من "بابا نويل" يحمل مدفعًا رشاشا، ومرورًا بلاعبي الكونغ فو صعبي المراس وراعيات البقر المتوحشات، يحاول ألا يدع مجالا للصدفة. يقول: "أنا أدرك الآن أن "بابا نويل" المخيف الذي رسمته هو غالبا نتاج عملية تلقيح مختلط لبذور أفكار مجنونة، ما بين أقصوصة رسومية لـ "دانييل كلاوس" اسمها "بابا نويل الشهواني"، وغلاف مجلة كمبيوتر قديمة اسمها "أميجا" من أوائل التسعينيات كانت تظهر "بابا نويل" وهو يطلق النار من سلاحين آليين. كل الأفكار مسروقة، لا شك في ذلك. لقد قمت بإلقاء أي شيء كان بإمكاني فعله لإظهار "بابا نويل" بصورة غريبة أو مريبة في ذلك الخليط، فهو قد انتقل إلى مكان آخر أكثر دفئا، كما أنه بدأ يرتدي سترة بلاستيكية وردية اللون. ثم أضفت للصورة وجنتين زهريتين تشيان بشرب الخمور، ولحية متسخة، وأسنانا صفراء، والكثير من شعر الجسم، بالإضافة إلى الأسلحة النارية المتطورة. لا بأس بأي شيء و"كله تمام". المعنى الذي نستنتجه من عبارة رأس السنة الإنجليزية الشهيرة "كل المودة لكل الرجال" هي أن "بابا نويل" شاذ جنسياً!، ولتضرب الطبقة الأمريكية المتوسطة رأسها بالحائط! ثم يلي ذلك أنه يدخر كل المودة للرجال حتى أنه أطلق النار على حيوانات الرنة الخاصة به ثم امتطى أحدها. كنت أتمنى أن أجعل حيوان الرنة هو “رودلف”، لكنى لم أستطع أن أرسم أنف حيوان رنة واقعيًا بحيث يظهر بشكل جيد باللون الأحمر الفاقع."


ولأني من المعجبين المتعصبين لحد الهوس بالقصص المصورة، لا أقدر على ألا ألاحظ وجود زيادة كبيرة في القصص المصورة التي تظهر بطلات نسائيات صعبات المراس، يرسمهن فنانون ذكور. "أوكونور" لا يرى شيئا معقدًا في سيكولوجية هذه الظاهرة، خصوصًا أنه قد ساهم هو نفسه في رسم الغضب الأنثوي الشرس. يقول: "الشباب يحبون العنف. الشباب يحبون الفتيات المثيرات. أعتقد أن الفكرتين تم خلطهما في العديد من القصص المصورة بدون كثير من التفكير في الأمر. لم يكن سيناريو تلك القصص ليتغير لو أن البطل كان "أرنولد شوارزنجر"، وقد ظهرت له أثداء وصار قوامه أكثر جاذبية بعض الشيء. وربما كانت هناك نسبة بسيطة من الجمهور الأنثوي تهتم بقصص الفتيات المثيرات اللاتي لا يشق لهن غبار، لكن لو أردت فعلا أن تجذب الفتيات لقراءة قصصك، فما عليك إلا أن ترسم شابًا وسيمًا هادئا، وتجعل بشرته نظيفة وشعره ناعمًا، وأن تجعله يرتدي سترة صوفية أنيقة ويمسك كوبًا من الشوكولاته الساخنة، ثم تضعه على الغلاف. إن هذا فظيع! ينبغي على أمهات هؤلاء الفتيات أن يجلسن معهن جلسة طويلة ويخبروهن أن الصبيان على أرض الواقع ليسوا بهذه الصورة أبدًا."
إن من الجيد أحيانا أن تبني تصميم الشخصية على شخصيات عامة معروفة، كما فعل "مجدي الشافعي" مع شخصية السياسي الفاسد الذي صار رجل أعمال في روايته المصورة "مترو". يقول: “لقد قمت ببناء هيئته على صورة سياسي محلي معروف اشتهر بفساده. من الأساليب الفعالة في القصص المصورة أن تبني الشخصيات على رموز عامة معروفة لها سمعة راسخة، فذلك يساعد القارئ على تكوين رأي حول الشخصية دون الحاجة لشرحها بالتفصيل."

بإمكاني أن أتفهم تكريس الكثير من التفكير والتخطيط لتكوين الشخصيات المحورية في الأعمال الفنية، حيث لا تلعب تأثيرات العقل الباطن دورًا كبيرًا، بينما يقل التركيز على الشخصيات التي تنطوي في الخلفية أو تلك التي تتطلب أن تكون عامة وغير محددة. وهذا يأتي بنا لأعمال "كارلوس لاتوف"، رسام الكاريكاتور السياسي المقيم في "البرازيل"، والذي تركز رسوماته على القضية الفلسطينية والحرب في العراق. الكثير من تلك الأعمال يظهر تصويرات لشخصيات عامة مثل "بوش" و"بلير"، والذين قد يظهرون بصورة معينة لأسباب مفهومة، لكن ماذا عن الجنود "غير المهمين"؟ ما الذي يحدد شكلهم والسبب الذي يجعلهم يظهرون بهذا الشكل؟ يقول "كارلوس" بانفعال: "في الواقع هم ليسوا جنودًا غير مهمين، ما دام معهم أسلحة ولديهم تصريح بقتل الناس بدعوى "محاربة الإرهاب" و"تدعيم الديمقراطية" وما إلى ذلك. حتى لو كانوا جنود طبقة سفلى من الذين يعبئون المدافع، فهم جنود مدججون بالسلاح ومستعدون لقمع أية مقاومة."
وفي النهاية، أعتقد أن هناك أمورًا أهم في هذا العالم تستحق التفكير فيها أكثر من سيكولوجيا تصميم الشخصية.

BACK TO ISSUE 102 |